أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

197

الكامل في اللغة والأدب

تعزّيه عن ابنه كيف كان برّه بك ؟ فقال : ما مشيت بنهار معه قطّ إلّا مشى خلفي ولا بليل إلّا مشى أمامي ولا رقي سطحا وأنا تحته . وقال أبو المخشّ « 1 » . كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفّا كأنها طلعة « 2 » في ذراع كأنها جمّارة فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلّا خصّتني بها فزوّجتها وصار يجلس معي على المائدة ابن لي فيبرز كفا كأنها كرنافة « 3 » في ذراع كأنها كربة فو اللّه إن تسبق عيني إلى لقمة طيّبة إلّا سبقت يده إليها . وقال الأصمعي : قيل لأبي المخشّ : أما كان لك ابن ؟ فقال المخشّ : وما كان المخشّ كان واللّه أشدق خرطمانيّا « 4 » إذا تكلم سال لعابه كأنما ينظر من قلتين « 5 » ، وكأنّ ترقوته « 6 » بوان أو خالفة وكأنّ مشاش « 7 » منكبيه كركرة جمل ، فقأ اللّه عينيّ هاتين إن كنت رأيت بهما أحسن منه قبله ولا بعده . قوله : بوان أو خالفة فهما عمودان من عمد البيت البوان في مقدّمه ، والخالفة في مؤخّره ، والكرنافة صرف الكربة العريض الذي يتصل بالنخلة كأنه كتف . حدثني بهذا الحديث العباس بن الفرج الرياشيّ عن الأصمعيّ وحدثني عمن حدّثه قال : مرّ بنا أعرابي ينشد ابنا له فقلنا : صفه . فقال : دنيتير « 8 » . قلنا لم نره . فلم نلبث ان جاء بجعل « 9 » على عنقه ، فقلنا : لو سألت عن هذا لأرشدناك ما زال منذ اليوم بين أيدينا وأنشدني منشد وأنشدني الرياشيّ أحد البيتين :

--> ( 1 ) المخش بالكسر وهو في الأصل الجريء على العمل بالليل . ( 2 ) طلعة : ما يخرج من النخل . ( 3 ) الكرناف بالكسر وبالضم أصول الكرب تبقى في الجذع بعد قطع السفن . ( 4 ) خرطمانيا : كبير الأنف ، كأنه خرطوم الفيل وقل هذا الوزن في اللغة . ( 5 ) القلتين : مثنى قلت بفتح فسكون وهي النقرة في الجبل يستنقع فيها الماء شبه عينيه بنقرتين في الجبل في الاستدارة وعدم الاتّساع . ( 6 ) الترقوة : وزنها فعلوه بفتح الفاء وضم اللام ولا تضم تاؤه وهي العظم الذي بين ثغره النحر والعاتق من الجانبين قال بعض أهل اللغة ولا تكون الترقوة لشيء من الحيوانات إلا للانسان خاصة . ( 7 ) المشاش : بالضم رأس العظم الذي مضغه . ( 8 ) دنيتير : مصدر دينار شبه ابنه به في البهاء والسخي في ما يزعم . ( 9 ) الجعل : كصرد الأسود الذميم .